ابتسمت والطفل يتوقف عن التنفّس. أحكي قصته لأن الناس ما زالوا يسألون: ليه القصر القديم مقفل؟ وليه ما أحد يقرّب من النهر اليابس بالليل؟ أنا كنت هناك. شفت اللي صار. وقتها ما فهمت. الحين أفهم. صار هذا وأنا صغير، في بلدة صغيرة بغرب أفريقيا. كان عندنا ملكة. ما وُلدت ملكة؛ تزوجت الملك وهو كبير في السن، ولما مات، بقيت هي. كانوا يسمّونها أمّ الأرض. يقولون إنها طيبة. يقولون إنها جابت السلام. وأنا صدّقتهم في البداية. كنت أشتغل في القصر مساعدًا. أشيل الماء، وأنظّف الأرضيات، وأنام في غرفة صغيرة قرب الجدار الخلفي. كنت أشوف أشياء ما كان غيري يشوفها. أول شيء لاحظته أن الملكة ما كانت تكبر. مرت سنين. الأطفال كبروا. الشيبان ماتوا. والملكة كما هي. نفس الوجه. نفس البشرة. نفس النظرات الحادة. إذا مزح الناس عن عمرها، كانوا يضحكون ويمشّون الموضوع. يقولون: «دمها طيب»، أو «تستخدم أعشاب». لكن بالليل، كنت أسمع أشياء. في بعض الليالي أسمع بكاء. مو عالي. خافت. كأن أحد يحاول ما ينسمع. كان يطلع من الغرفة الداخلية؛ الغرفة اللي ممنوع على أي عامل يدخلها. لما سألت بقية الخدم، قالوا ما سمعوا شيئًا. بعدها بدأ الأطفال يختفون. في البداية كان طفلًا واحدًا. ولد كان يبيع البرتقال قرب البوابة. قالوا إنه هرب. ثم بنت من ناحية النهر. ثم ولد آخر. دائمًا أطفال فقراء. دائمًا أطفال ما لهم عائلة قوية تحميهم. الملكة ما قالت شيئًا. والحراس ما قالوا شيئًا. في ليلة، طلبت مني كبيرة الخدم أجيب ماء للغرفة الداخلية. هذا الشيء ما صار قبل. يديني كانت ترجف وأنا أمشي إلى هناك. كان الباب نصف مفتوح. ليتني رجعت. داخل الغرفة، كانت الرائحة سيئة. رائحة دم ودخان. كانت فيه أوعية على الأرض، وبقع داكنة على الحصير. كانت الملكة واقفة قرب الجدار، تغسل يديها. وعلى الحصير كانت طفلة. صغيرة. عيناها مفتوحتان، لكنها ما كانت تتحرك. نظرت إليّ الملكة وابتسمت. قالت: «تأخرت». ما قدرت أتكلم. ما قدرت أتحرك. قالت لي: «حط الماء». جسمي أطاع قبل ما يقدر عقلي يمنعه. ركعت عند الطفلة ولمست وجهها. الطفلة ما تفاعلت. قالت الملكة: «بتخدم الأرض. مثل اللي قبلها». ثم فعلت شيئًا لن أنساه أبدًا. وضعت فمها على صدر الطفلة وسحبت نفسًا. بقوة. ببطء. كأنها تشرب الهواء من داخلها. انفتح فم الطفلة، لكن ما طلع منه أي صوت. لما وقفت الملكة، كانت الطفلة ساكنة. بدت بشرة الملكة أصفى، وعيونها مفعمة بالحياة. ركضت. ما توقفت إلا لما وصلت غرفتي. تقيأت على الأرض. بكيت بلا صوت. كنت أبغى أهرب، لكني عرفت أني ما أقدر. البوابات تُقفل بالليل. في الصباح التالي، أعلنت الملكة احتفالًا. قالت إن الأرض مباركة. دقّت الطبول. رقص الناس. وما أحد تكلم عن الأطفال المفقودين. حاولت أقول لأحد. قلت لحارس. حدّق فيني ومشى. قلت لعجوز تبيع الأكل قرب القصر. نظرت إليّ وقالت: «انتبه لنفسك». في تلك الليلة، طرق أحدهم بابي. كانت الملكة. دخلت وحدها. بلا حراس. جلست على حصيري كأنه ملكها. قالت: «أنت شفت». هززت رأسي. قالت إنها مختارة من زمان. وإن الأرض تحتاج دمًا عشان تبقى خصبة. وإن الأطفال قرابين. وإنها لو توقفت، الأرض بتموت. ثم لمست رأسي. قالت: «بتنسى». ما نسيت. لكني سكتّ. اختفى أطفال أكثر. وبقيت الأرض خصبة. نمت المحاصيل. وجاء المطر في وقته. مرت سنين. ثم جاء موسم جفاف. طويل وقاسٍ. فشلت المحاصيل. وغضب الناس. بدأوا يتهامسون أن الملكة فقدت قوتها. في ليلة، رجع البكاء. هذه المرة كان أعلى. تبعت الصوت. كان باب الغرفة الداخلية مفتوحًا من جديد. في الداخل، كانت الملكة ضعيفة. بدت عجوزًا. جلدها مترهل. شعرها خفيف. وعلى الحصير كان ولد. حي. مربوط. يبكي. حاولت تتغذّى منه. لكنها ما قدرت. ما أدري وش اللي صار لي. مسكت مشعلًا وصرخت. ركض الحراس إلى الداخل. وتبعهم الناس. شافوا كل شيء. الولد. البقع. الأوعية. والملكة على ركبتيها. صرخت. ما كان صراخ خوف. كان غضب. سحبوها إلى الخارج. قاومت مثل وحش. عند النهر، اتخذ كبار البلدة قرارهم. بلا محاكمة. بلا كلام. ربطوها ودفعوها في الماء. لم تغرق. طفت على السطح. ضحكت. ثم سحبها الماء إلى الأسفل. وفي السنة التالية، جف النهر. وأُغلق القصر. غادرت البلدة بعد ذلك بوقت قصير. ما زال الناس يقولون إن الملكة مجرد حكاية. كذبة. طريقة لتفسير الأشياء السيئة. أنا أعرف الحقيقة. أحيانًا، لما يكون الليل هادئًا، أسمع نفسًا ليس لي. وأتذكر ابتسامتها.